ابن الجوزي

60

زاد المسير في علم التفسير

على الاستخفاء من جوارحكم ، ولا تظنون أنها تشهد ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) قال ابن عباس : كان الكفار يقولون : إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ، ولكنه يعلم ما يظهر ، ( وذلكم ظنكم ) أي : أن الله لا يعلم ما تعملون ، ( أرادكم ) أهلككم . ( فإن يصبروا ) أي : على النار فهي مسكنهم ، ( وإن يستعتبوا ) أي : يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون ، لم يرجع لهم ، لأنهم لا يستحقون ذلك . يقال : أعتبني فلان ، أي : أرضاني بعد إسخاطه إياي . واستعتبته ، أي : طلبت منه أن يعتب * أي : يرضى . قوله تعالى : ( وقضينا لهم قرناء ) أي : سببنا لهم قرناء من الشياطين ( فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : ما بين أيديهم : من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب ، وما خلفهم : من أمر الدنيا ، فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير . والثاني : ما بين أيديهم : من أمر الدنيا ، وما خلفهم : من أمر الآخرة ، على عكس الأول . والثالث : ما بين أيديهم : ما فعلوه ، وما خلفهم : ما عزموا على فعله . وباقي الآية قد تقدم تفسيره . وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ( 26 ) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعلمون ( 27 ) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ( 28 ) قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ) أي : لا تسمعوه ( والغوا فيه ) أي : عارضوه باللغو ، وهو الكلام الخالي عن فائدة . وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا : إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم قولهم . وقال مجاهد : والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ( لعلكم تغلبون ) فيسكتون . قوله تعالى : ( جزاء أعداء الله ) يعني العذاب المذكور . وقوله : ( النار ) بدل من الجزاء ( لهم فيها دار الخلد ) أي : دار الإقامة . قال الزجاج : النار هي الدار ، ولكنه كما تقول : لك في